// الفصل التمهيدي //

الاستراتيجية العسكرية لحروب الرسول صلى الله عليه وسلم 
( بدر ، خير ، تبوك )
 
الفصل التمهيدي
شخصية الرسول ص العسكرية

تمهيــد الفصل :

 

 

          لم يكن الرسول الأعظم (صلى الله عليه وسلم) نبياً ومصلحاً اجتماعياً وداعياً للناس إلى الاعتقاد برسالته فحسب، بل كان في نفس الوقت رجلاً سياسياً وعسكرياً أيضاً، وبلغ رسول الله (صلى الله عليه وسلم)القمة في التفكير السياسي والاجتماعي والإداري..

          ودعوة النبي (صلى الله عليه وسلم) كسائر دعوات التوحيد والمصلحين الاجتماعيين نفذت إلى القلوب، بل كانت أقوى من جميعها، ولم يكن قد استقل قدرته وجرد سيفه ليستفيد به، بل كان همه الوحيد تحرير عقل الإنسان وكسر الأصنام والأوثان التي يُتقرّب إليها ويُعتقد بها كإله، كما وصفه القرآن الحكيم: ( ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم).

            فحينما نتناول الجانب العسكري في عهد الرسول القائد صلى الله عليه وسلم، فإننا نقف مبهورين أمام النتائج العظيمة التي تحققت خلال بضع سنين، وهي الفترة المحصورة بين هجرة المصطفى ـ عليه الصلاة والسلام ـ من مكة إلى المدينة، وحتى انتقاله إلى الرفيق الأعلى.

          والنتائج المحققة لا يمكن أن تكون من فراغ، فهي نتائج عظيمة، ومن المؤكد أنّ وراءها فكراً وأساليب ووسائل عظيمة أدت إلى تحقيقها.

         ونلاحظ انّ شخصية الرسول القائد ألهمت الكثير من الباحثين في الشرق و الغرب، فدرسوا سماتها بفيض من المؤلفات التي صورت حياته صلى الله عليه وسلم  و تناولت جوانب عظمته و عبقريته، و صفة البطولة الملحمية في سيرته التي انضوت في ثناياها حياة الأمة، فتجسدت كحقيقة تاريخية ناصعة عبر دعوته التي أحدثت انقلابا في حياة تلك القبائل العربية المتناحرة .

         فكيف كانت شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم  العسكرية ؟ وكيف كان فكر هذا القائد ؟

       وهل كانت أخلاق الرسول في صراعاته السياسية والعسكرية  تتسم بنفس أخلاقه في الامور الاخرى ؟

      وماهي الاساليب التي اتبعها حتى حقق هذا النصر العظيم  ؟  

 1- المدرسة العسكرية النبوية:

        نشأت في المدينة بعد الهجرة أول مدرسة عسكرية في تاريخ العرب كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قائدها ومعلمها الأول، وعلى أساس مبادئ القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة القولية والعملية والتقريرية قامت النظريات العسكرية الإسلامية في مختلف شؤون الحرب والقتال، مثل: أسباب الحرب وأهدافها –آداب الحرب- بناء الجيش القوي – بناء المقاتل – إعداد القادة – التدريب على القتال – الحرب النفسية – المخابرات والأمن ومقاومة الجاسوسية – الانضباط والجندية وتقاليدها – بناء الروح المعنوية وإرادة القتال – إعداد الأمة للحرب – الصناعة الحربية واقتصاديات الحرب... الخ [1]

2- أهم الأنشطة العسكريـة:

         إن أهم الانشطة العسكرية النشاط التدريبي، وهو نشاط اهتم به الرسول القائد صلى الله عليه وسلم بعد إقامة المجتمع الإسلامي في المدينة لبناء الجيش المسلم، ومن أمثلة هذا النشاط ـ على سبيل المثال ـ سرية حمزة بن عبد المطلب في شهر رمضان من العام الأول

          كما يقع تحت هذا البند الأنشطة الخاصة بتأمين المجتمع الإسلامي والدفاع عنه، ومن أمثلة ذلك سرية عبد الله بن جحش في رجب من العام الثاني بمهمة جمع معلومات عن العدو.

          أمّا أنشطة الامن الداخلي فتتضمن جميع الإجراءات المتخذة لضمان سلامة المجتمع ضد الفتن بأنواعها المختلفة، أو ضد الكوارث الطبيعية، حيث تستخدم الأداة العسكرية بإمكانياتها الكبيرة في التغلب على الآثار المترتبة على تلك الكوارث، ومن أمثلة هذه الأنشطة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، جميع الإجراءات التي اتخذت ضد يهود المدينة، فاليهود في المدينة بعد أن وقّّع معهم الرسول صلى الله عليه وسلم معاهدة تحدد حقوقهم وواجباتهم كأفراد المجتمع المسلم، أصبحوا جزءاً من نسيج المجتمع المسلم، وعندما يشكل هذا الجزء فتنة تهدد وحدة المجتمع، ويتم التخلص من هذا الجزء ـ كما حدث بعد معركة الخندق ـ فإن هذا التخلص يعتبر إجراء من إجراءات الأمن الداخلي وليس معركة عسكرية.

          إضافة إلى ذلك هناك انشطة المهام القتالية  فالمعركة العسكرية أو القتالية عبارة عن صراع بين قوتين أو أكثر، يهدف كل طرف من خلاله إلى تحقيق هدفه وفرض إرادته على الطرف الآخر.1

3- صنــاعة السلاح وتطويــره:

          إنصب إهتمام الرسول صلى الله عليه وسلم في صناعة وتطوير السلاح، فقد كون فرقا متخصصة في جيشه، كل منها يختص بسلاح معين، فهناك فريق الرماة بالنبال ، وفريق يختص بالرماح.. وفريق ثالث من المشاة حاملي السيوف وقام الرسول صلى الله عليه وسلم بوضع مبدأ تطوير السلاح، وكان حريصا أن يحصل جيشه على أحدث الأسلحة في عصره، فمن ذلك أنه رأى في يد الزبير بن العوام، بعد عودته من هجرة الحبشة نوعا جديدا من الرماح يقال له (العنزة) ،وكان الاحباش يصيدون به الوحوش بدقة متناهية، فأمره الرسول صلى الله عليه وسلم أن يصنع لجيشه مثلها، وأمر الزبير أن يدربهم عليها، كذلك كان الرسول أول من أدخل في جزيرة العرب المنجنيق والدبابة، فأرسل إلى الشام وفداً لتعلم صنعهم وقد صنعهم قبل حصار الطائف وقذف بهم الأسوار والحصون.2

 

4- الاستخبارات العسكرية ومدى قوتها:

         وتدخل الاستخبارات ضمن " الحرب السرية"، فهي حرب منظمة عاملها الاساسي العقل والتفكير، ظاهرها غير ظاهر للعيان، ومعالمها تبقى في قوقعة الخفاء، يدل عليها الأثر والنتيجة وتكتسب المعنى والقوة من خصائصها التي تعتمد على المفاهيم غير المألوفة من اصطفاف الجنود وترتيب الصفوف، ولكنها تعنى بما يضمن النصر حتى ولو لم يتحرك الجيش شبراً واحداً، فبها تعرف خطط العدو وبها يرصد تحرك الخصم، وبها تقطع رؤوس الأعداء، وبها تقام التحالفات ويُخدّل بين الأعداء.

         وقد برع الرسول صلى الله عليه وسلم في الاستخبارات العسكرية، فضرب بنفسه القدوة لكل القادة الذين يأتون من بعده في أهمية الاستخبارات، ففي كل غزواته كان يرسل عيون الاستطلاع، وفي بدر قام بنفسه بالاستكشاف وأخذ معه أبا بكر، وأيضا أرسل حمزة وعليّاً وسعد بن أبي وقاص وعبيدة بن الحارث في حملات أخرى لاستكشاف أخبار العدو، ومع تعدد مصادر معلوماته كان (صلى الله عليه وسلم) يراجعها ويطابقها ببعض للوصول إلى أدق الحقائق، ويقوم بتحليلها حتى يعرف كل شيء عن العدو، ومن أهم وسائله (صلى الله عليه وسلم) بث العيون الثقات في مكة، يوافونه بالأنباء من أعلى المستويات، ومن هذه العيون عمه العباس وبشير بن سفيان العتكي، وهما اللذان أفاداه بأهم المعلومات عن نوايا قادة قريش وتحركاتهم.

          وقد استخدم الرسول صلى الله عليه وسلم الشيفرة السرية، لإخفاء مضمون رسائله فكانت له شفرة شفوية وأخرى مكتوبة ،ففي غزوة الخندق أرسل سعد بن معاذ إلى يهود بني قريظة لمعرفة مكائدهم، وأمره عند عودته أن لا يفصح عن أخباره لأحد حتى لا يوهن عزم المسلمين، بل يستعمل ( لحن القول) كنوع من الشفرة الشفوية، وفي إحدى سراياه الاستطلاعية التقى بأعرابي فأخذ يسأله عن قريش حتى عرف منه كل شيء، ثم سأله البدوي بدوره "من أنتم " فقال : "نحن من ماء" وتركه مسرعًا، فأخذ البدوي يتعجب لهذا الرد ويقول "فكل الناس من ماء".

          ومن هنا فإن المسلمون في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم برعوا في الإستخبارات، وكان عليه الصلاة والسلام قبل أي معركة من المعارك الحاسمة يحرص على أن تكون لديه حصيلة وافية عن قوات العدو وأرضه، وقيادته وطباعه وعاداته، وكان هذا أحد أسرار الإنتصارات الإسلامية الكبرى، والقرآن الكريم يذكرنا بأهمية الاستخبارات فيقول تعالى :" يأيها الذين آمنوا خذوا حذركم "1

5- أهميـــة الحرب الإعلامية في المعارك:

           "الحرب الإعلامية" إنها بأبسط تعريفاتها: "فن الانتصار بدون حرب"، وهي في الأغلب تسعى للسيطرة على عقل وقلب الخصم، بحيث تصنع ضبابية في الفهم والتصوّر، إنها تقوم على صُنع هالة أمام أعين الخصم، يعجز معها عن تقدير قوة خصمه بما يُمكِّن للطرف المستهدِف السيطرة العقلية والروحية على المستهدَف، وتعتمد"الحرب الإعلامية" على عدة نقاط ضرورية لتكتمل دائرة السيطرة على الخصم:

         - التهويل من قدرة المستهدِف والتهوين من قدرة المستهدَف.

         - تبرير الحرب بالأخلاق والمبادئ، والتشكيك بأحقية الخصم بالحُكم.

         - تمييع المصطلحات بحيث يُحار في فهمها( كالارهاب والتطرف)، ومن ثَم يعجز عن مواجهتها.

         - الكذب في النتائج واستباق حدوثها، وكأنَّ الحرب قد انتهت والقوات قد استسلمت وفي الحقيقة أنها لم تبدأ بعد.

         - إضفاء نوع من القداسة على رموز المستهدِف.

        فالحرب الإعلامية في مُجملها تقوم على الكذب والتضليل والخداع والتمويه، ولكنها في النظرية الإسلامية جاءت كأسمى ما تكون عليه الأطروحات، وقد اعتمدت على الحقائق والوقائع المحسوسة والملموسة، وإنْ كان داخلها بعض المفاهيم كـ"الحرب خدعة"، ولكنها في أضيق الحدود للوصول إلى الحق، وهي جزء من الحرب وليس كلها مع جوازها.

          وقد استعمل الرسول صلى الله عليه وسلم سلاح الدعاية ، وخلق ما يسمى بالرتل أو الطابور الخامس في قلب الأعداء ، ولنذكر كلمة الرسول صلى الله عليه وسلم  في وصف هذا السلاح حين قال : "نصرت بالرعب مسيرة شهر " .

          كما يؤكد خطورة أسلوب الدعاية تمهيداً لتحقيق النصر العسكري في ميادين القتال ، وإلى جانب الحرب الدعائية إستخدم الرسول عليه الصلاة والسلام أيضاً الحرب النفسية، فهي من أهم عناصر كسب المعارك، ويعتبر الرسول أول قائد عسكري في التاريخ يكسب معركة كاملة بالحرب النفسية وحدها، وذلك في معركة مكة.. فقد كان حريصا في فتح مكة بالذات أن لا يريق نقطة دم وأن لا يستعمل السلاح في هذا الحرم المقدس، حتى لا تكون تلك سابقة لانتهاك حرمة الكعبة، وقد اتبع الرسول في ذلك أسلوبا فريدا، اذ جعل الفتح سراً لايعرفه أحد سوى الخاصة من القادة، حتى يضمن عنصر المفاجأة، وقطع المسافة بين المدينة ومكّة في مرحلة واحدة دون راحة، حتّى يصل قبل أن تعرف بأمره استخبارات قريش، وعند وصوله الى مكة ليلا حاصرها بعشر آلاف جندي، رابط بهم على سفوح الجبال، وأمر جنوده أن يشعل كل واحد منهم ناراً عالية، فأشعلوا عشرة آلاف نار، حتى أدخل الروع في نفوس السكان وأوهمهم بأن عدد الجند أكثر من ذلك بكثير، لأنّ العرف جرى أن النار الواحدة تكفي لعشر جنود.

          إضافة الى ذلك عند قدوم أبا سفيان للتفاوض مع الرسول صلى الله عليه وسلم، أمر بحبسه في خيمة دون أن يكلمه أحد حتى أدخل في نفسه الروع وظن أن مصيره القتل، ثم أمر عمه العباس أن يصطحبه ليرى استعراض جيش المسلمين في ملابسهم المتناسقة، ونظامهم الدقيق حتى قال للعباس: " والله ياعباس... إنه لا قدرة لأحد على هؤلاء ".

وأخيرا بعد أن بلغ به الإنبهار والإنهيار النفسي مبلغه، أكرمه الرسول صلى الله عليه وسلم،  بأن جعل كل من دخل بيته آمنا وبذلك سلمت مكة دون قتال.1

         وكذلك بالنسبة للرومان وحلفاؤهم لما سمعوا بزحف رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أخذهم الرعب، فلم يجترئوا على التقدم واللقاء، بل تفرقوا في البلاد في داخل حدودهم، فكان لذلك أحسن أثر بالنسبة إلى سمعة المسلمين العسكرية، في داخل الجزيرة وأرجائها النائية، وحصل بذلك المسلمون على مكاسب سياسية كبيرة وخطيرة بما لم يكونوا يحصلون عليها لو وقع هناك اصطدام بين الجيشين.2

6- الحرب الاستباقية:

        على الرغم من حداثة التسمية والتي يكتنفها جانب الغموض التعريفي، بين قائل بعدم صحة وجهة النظر فيها، أي سبق الآخر بحرب لمجرد أنه يُشكل خطر على الدولة، وبين قائل بلزومها بوجود الأفكار المعادية وحسماً للمعركة من البداية وقتلاً للخصوم وهم في طور التفقيس.

         وحتى نخرج بتمييز للإسلام عمن سواه ممن يتبنى هذه التسمية في حروبه العدائية، والتي تعتمد على الكذب فى دوافعها، أو للظن في تقدير مقصود الخصم، أو سوء فهم لتحركه.

         نقول: انَّ الذي يُميز الإسلام هو الانطلاقة المباغتة وبالسرعة القياسية، مع الاعتماد على الموثق من الأخبار لحسم المعركة وهي ما زالت في مهدها، وعدم الانجرار للتأويلات البشرية لأفعال الغير، أو استخدام غير المؤتمن في النقل من فُساق وغيرهم كالذين حذر منهم ربنا بقوله: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا "

          والمقصود أنَّ هذا النوع من الحروب ما كانت تنبع من الرسول صلى الله عليه وسلم ابتداءًا، بل كانت نتيجة لفعل يقوم به الخصم كتجميع الجموع أو تجييش الجيوش أو تهيئة النفوس للغزو، أو التخطيط الفعلي لإغارة أو اغتيال وما شابه ذلك من الأفعال التي تستحق التحرك لها في الاتجاه المضاد.

          واعتمد الرسول صلى الله عليه وسلم كذلك على عمليات الاغتيال كحرب استباقية، فقد ذكر ابن سعد في الطبقات وابن القيم في الزاد: سرية عبد الله بن أنيس إلى سفيان بن خالد الهذلي ... ذلك أنه بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رجلاً قد جمع الجموع لحرب الرسول، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أنيس ليقتله... فقال – أي خالد-: من الرجل؟، قال عبد الله: رجل من خزاعة سمعت بجمعك لمحمد فجئتك لأكون معك، قال: أجل إني لأجمع له فمشيت معه وحدثته واستحلى حديثي حتى انتهى إلى خبائه وتفرق عنه أصحابه، حتى إذا هدأ الناس وناموا اغتررته فقتلته وأخذت رأسه... حتى قدمت المدينة فوجدت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد فلما رآني قال: أفلح الوجه قلت: أفلح وجهك يا رسول الله،  فوضعت رأسه بين يديه وأخبرته خبري.1

7- أسـاليب رفع معنويات الجند في المعركة:

            اهتم الرسول القائد صلى الله عليه وسلم بعملية رفع معنويات جنوده في المعارك، حيث استخدم في ذلك عدة أساليب، نذكر منها التركيز على القوة الايمانية للجند فقد كان النبي الأكرم (صلى الله عليه وسلم) يعتمد اعتماداً كاملاً على هذه القوة في إدارته الحكيمة لجند الإسلام، وغالباً ما كانت نسبة القوة المعنوية للجند أكثر بكثير من القوة المادية والعسكرية، كما قال سبحانه:  ( إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين) .

         والمسلمون كانوا يربحون المعركة مع قلة عددهم وما كان ذلك إلا لدافع الإيمان المتأصل في القلوب، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة، بقوله تعالى: ( كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله).

         إضافة إلى ذلك اعتمد الرسول صلى الله عليه وسلم في رفع معنويات الجند على إصطحاب النساء والأولاد إلى ميادين الوغى، حيث كان لإصطحاب النساء والأولاد إلى ميادين الوغى، حافز شديد للصمود والاستبسال أمام العدو، فكان المجاهد يستحي أن تعيره النساء بالفرار إذا حاول التراجع، ويأنف أن تسبى امرأته، أو يفرط في عرضه، ويسترق ولده إذا انهزم أو تراجع، كما كانت النساء المرافقات يؤدين كثيراً من الخدمات كتمريض الجرحى، والاشراف على المستشفى الميداني، وسقي المقاتلين، وإطعامهم، وتحميسهم.

         وعرف التاريخ الإسلامي نماذج نسائية رائعة من الصحابيات، قاتلن مع النبي في غزواته، مثل نسيبة بنت كعب المازنية، وأم سليم  بنت ملحان، وعائشة أم المؤمنين رضي الله عنهم أجمعين. واشتركت أم حرام بنت ملحان في أول غزوة بحرية مع زوجها عبادة بن الصامت. 1

 

8- الحرب الخداعية وتحقيقها للنصر:

 

          حين تتملك إرادة الحرب النفوس يحرص كل طرف على الوصول لأقصى أهدافه بأقل الإمكانات والخسائر، وهو ما يُلجئ القائد العسكري لتخير أقصر الطرق للوصول إلى النصر، أو على الأقل الانسحاب بأقل الخسائر، وفي سبيل الوصول للسيادة والانتصار يضطر القائد للتعامل مع المصطلحات والمفاهيم بطريقة مغايرة عما ألفه العادي في زمن السلم، ومنه مسألة جواز الكذب والخداع والحيلة والمكر، فإنها صفات سلبية إلا في أضيق الحدود فهل تبقى على المعني المألوف في أذهان الناس، أم أنها تأخذ بُعداً آخر في زمن الحرب.

     

          في الصحيحين عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الحرب خدعة"، قال الإمام النووي في شرحه على مسلم: "واتفقوا على جواز خداع الكفار في الحرب وكيف أمكن الخداع"، وقال ابن حجر في الفتح: "وأصل الخداع إظهار أمر وإضمار خلافه، وفيه – أي الحديث– التحريض على أخذ الحذر في الحرب، والندب إلى خداع الكفار"، وقال ابن المنير كما نقله ابن حجر: "معنى الحرب خدعة أي الحرب الجيدة لصاحبها الكاملة في مقصودها إنما هي المخادعة لا المواجهة، وذلك لخطر المواجهة، وحصول الظفر مع المخادعة بغير خطر".

          وقال العسكري:"أراد أن المُمَاكرة في الحرب أنفع من المكاثرة، فهو كقول بعض الحكماء إنفاذ الرأي في الحرب أنفع من الطعن والضرب، وكالمثل السائر إذا لم تغلب فأخلب أي اخدع، وقال بعض اللغويين: معنى خدع أظهر أمراً أبطن خلافه، ومنه كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا غزا غزوة وَرّى بغيرها".

         وإنما تجوز المخادعة على ما فيها من تمويه وإظهار خلاف المبطن، للحاجة التي تضطر المسلم للوصول إلى هدفه وحفاظاً على جنده وجيشه، فالعدو يتربص الدوائر وهو حريص على تكبيد الجيش المسلم أعلى الخسائر، فضلاً عن حرصه على تحويل الانتصار لصالحه، لذلك جاءت الشريعة الغراء لتفتح باباً أُغلق بين المسلمين، بل دعتنا إليه ورغبتنا فيه كما هو صريح الحديث وهو ما اتفق عليه العلماء كما نقله النووي.

 

         قال ابن قدامة: تجوز الخدعة في الحرب للمبارز وغيره, لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم:"الحرب خدعة", ولما روي أنّ عليّ بن أبي طالبٍ رضي الله عنه  لمّا بارز عمرواً بن عبد ودٍّ قال له علي: ما برزت لأقاتل اثنين, فالتفت عمرو, فوثب علي فضربه, فقال عمرو: خدعتني, فقال علي كرّم اللّه وجهه: "الحرب خدعة".1

9- الإستشارة كنوع من الإحترام لآراء الجنود:

         كان النبي (صلى الله عليه وسلم) في إدارة الحرب يكره الاستبداد في الرأي، وكان يقوم باستشارة أصحابه، فالاستشارة والمشورة إحدى علامات القائد المناسب والمدير اللائق الذي يتبادل وجهات النظر مع أصحابه أهل الفكر والخبرة في شأن من شؤون مصالح الأمة مما يعود بالنفع عليها.

          وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على الشجاعة الذاتية، فمثل هذا القائد اللائق يستطيع أن يجعل ـ وفي كل زمان ـ من الطاقات الفكرية والجسمية والعاطفية حشوداً عسكرية..

         مع أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان معصوماً ومربوطاً بالسماء وغير محتاج إلى المشورة لكنه كان يستشير ليعلّم المسلمين طريق النجاح في مختلف شؤونهم، ولكي يرسم أسلوب الحكومة الصحيحة الاسلامية.

        ففي معركة الخندق عندما تحالفت قريش مع يهود بني قريظة، أمر صلى الله عليه وسلم بحفر خندق حول المدينة المنورة وذلك بإشارة من سلمان الفارسي رضوان الله عليه فانتصر المسلمون على الكفار والمشركين بعدما قتل الإمام علي رضي الله عنه عمرو بن عبد ود العامري حيث قال صلى الله عليه  وسلم : (ضربة علي يوم الخندق أفضل من عبادة الثقلين).

         وحين تحرك رسول الله إلى موقع المعركة، نزل بالجيش عند أدنى بئر من آبار بدر، وهنا قام الحباب بن المنذر وأشار على النبي بموقع آخر أفضل من هذا الموقع، وهو عند أقرب ماء من العدو، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم-مشجعاً- :" لقد أشرت بالرأي" وبادر التبي بتنفيذ ما أشار به الحباب، ولم يستبد برأيه رغم أنه القائد الأعلى، وعليه ينزل الوحي من السماء.

        إنّ هذه المواقف لتبين كيف تكون العلاقة بين القائد وجنوده، إنها علاقة تحترم الآراء الناضجة وتشجع الأفكار الصاعدة.1

10- الجانب الأخلاقي في حروب الرسول صلى الله عليه وسلم:

        نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والأطفال، ونهى عن قتل العسفاء ( المستخدمون)، والوصفاء (المماليك)، كما نهى عن التعذيب، وتحريق العدو بالنار، ونهى عن التخريب، وأمر بدفن قتلى العدو، وأمر بالمحافضظة على العهد والوفاء به.

        وجعل الإسلام للحرب آدابا، فقد جاء في وصية أبي بكر الصديق، لأسامة بن زيد، عشر وصايا للمسلمين، حيث قال: " لاتخونوا، ولاتغلوا، ولاتغدروا، ولاتمثلوا، ولاتقتلوا طفلا صغيرا، ولاشيخاً كبيراً، ولا امرأة، ولاعقروا نخلاً ولا تحرقوه، ولاتقطعوا شجرة مثمرة، ولاتذبحوا شاة ولابقرة ولابعيراًإلا لمأكله، وسوف تمرون بأقوام قد فرّغوا أنفسهم في الصوامع، فدعوهم وما فرّغوا أنفسهم له، وسوف تقدمون على قوم يأتونكم بآنية فيها ألوان الطعام، فإن أكلتم منها شيئاً فاذكروا اسم الله عليها.

        واقتضت آداب الفروسية التي تحلى بها الرسول صلى الله عليه وسلم وقادته رضوان الله عليهم، ألا يقتل الأسير إلا في الحالات النادرة، وأن يطلق ويكرم، أما قتلى الأعداء فأوجب مواراتهم، ولم يلزم المسلمين تكفينهم، ولم يجز احراقهم أحياءاً أو أمواتاً1.

 وتتجلى هذه الأخلاق الرفيعة في ثلاث حالات كالآتي:

10-1- رحمته لخصومه وأعدائه :

        يتحدث الباحث "وليم موير" عن معاملة النبي صلى الله عليه وسلم أعداءه تلك المعاملة التي اتسمت بالرحمة والعفو، حين فتحه مكة (في رمضان 8هـ/ يناير 630 م) ، فيقول :"عامل حتى ألد أعدائه بكل كرم وسخاء حتى مع أهل مكة ، وهم الذين ناصبوه العداء سنين طوالاً ، وامتنعوا من الدخول في طاعته ، كما ظهر حلمه وصفحه في حالتي الظفر والانتصار ، وقد دانت لطاعته القبائل التي كانت من قبل أكثر مناجزة وعداء له ".

        كذلك يقول واشنجتون إيرفنج:"كانت تصرفات الرسول صلى الله عليه وسلم في أعقاب الفتح تدل على أنه نبي مرسل لا على أنه قائد مظفر. فقد أبدى رحمة وشفقة على مواطنيه برغم أنه أصبح في مركز قوي. ولكنه توّج نجاحه وانتصاره بالرحمة والعفو"

        وفي إمكان المرء أن يتخيل المعاملة التي كان يجدر بفاتح دنيوي النزعة أن يعاملهم بها، ولكن صفح الرسول صلى الله عليه وسلم كان لا يعرف حدوداً . فقد غفر لهم ثلاثة عشر عاماً من الاضطهاد والتآمر .. وهم الذين عذبوه وعذبوا أصحابه وهجَّروه وهجّروه أصحابه، وقتلوا منهم نفراً ليس بالعديد القليل ..

        يقول "جان باغوت غلوب" معقباً "  وهكذا تم فتح مكة دون إراقة دماء إلى حد كبير ... إلا أنه اكتسب قلوب الجميع بما أظهره من رحمة وعفو في يوم انتصاره " .

        هذا، ويقول المستشرق إميل درمنغم متحدثاً عن الفاتح والقائد الرحيم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في حال انتصاراته : "فقد برهن محمد صلى الله عليه وسلم في انتصاره النهائي، على عظمة نفسية؛ قلَّ أن يوجد لها مثال في التاريخ؛ إذ أمر جنوده أن يعفوا عن الضعفاء والمسنين والأطفال والنساء، وحذرهم أن يهدموا البيوت، أو يسلبوا التجار، أو أن يقطعوا الأشجار المثمرة، وأمرهم ألا يجردوا السيوف إلا في حال الضرورة القاهرة، بل رأيناه يؤنب بعض قواده ويصلح أخطاءهم إصلاحاً مادياً ويقول لهم: إن نفساً واحدة خير من أكثر الفتوح ثراء ! " .

        "وهكذا ظهر الرسول صلى الله عليه وسلم الذي كان رحمة للعالمين، وحرر الإنسانية من أصفاد الجهل والخرافة والفساد" .. بل ظهر كما وصفه المفكر البلجيكي هنري ماسيه :"يتصف بالرحمة الخالصة". تلك الرحمة الخالصة التي غلبت دوماً – كما يبين مارسيل بوازار – على أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته، فلا "تنفك الأحاديث الشريفة والسيرة النبوية تصور في الأذهان كرم الرسول وتواضعه، كما تصور استقامته ونقاءه ولطفه وحلمه . وكما يظهره التاريخ قائداً عظيماً ملء قلبه الرأفة، يصوره كذلك رجل دولة صريحاً قوي الشكيمة (ديمقراطياً).."1 .

            وفوق أخلاق الرحمة التي تخلق بها النبي صلى الله عليه وسلم لما انتصر على أعدائه وتمكن منهم، في المعارك والفتوحات، نراه أيضاً رحيماً بمجرمين وأعداء – داخل الدولة -  أمضوا حياتهم في دس الفتن بين المسلمين، والعمل الدائب من أجل هدم الدين والدولة، فضلاً عن عمالة هؤلاء المجرمين لأعداء المسلمين خارج حدود الدولة ..

          إنّ نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم لم ينتقم في يوم من الأيام من امرئ أساء إليه ! صحيح أنه أنزل العقوبة ببعض أعدائه في أحال نادرة جدا، وفي فترات جد متباعدة، ولكن تلك الحالات كانت تنطوي كلها على خيانات بشعة قام بها أناس لم يعد الصفح يجدي في تقويمهم وإصلاحهم، والحق أن ترك أمثال هؤلاء المجرمين سالمين غانمين، كان خليقا به أن لا يظن البعض أنه استحسن الأذى والإفساد... والرسول صلى الله عليه وسلم لم يلجأ إلى العقوبة قط حيثما كان ثمة مجال لنجاح سياسة الصفح كرادع إن لم نقل كإجراء إصلاحي 1

 

10-2- الأحكام التي شرّعها في الحروب:

        شرع نبي الرحمة لأمته آداب سامية وضوابط حاكمة على سلوك المقاتل المسلم، توجب عليه مخالفتها عقوبات زاجرة قي الدنيا والآخرة.

        فلا يستخدم في الجهاد في سبيل الله إلا الوسائل المشروعة والأساليب النزيهة، فعن صفوان بن عسال قال :بعثنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في سرية فقال: " سيروا باسم الله وفي سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله ، ولا تمثلوا، ولا تغدروا، ولا تغلوا، ولا تقتلوا وليدا.." .

        وعن أنس أن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- نَهَى أَنْ تُصْبَرَ الْبَهَائِم .

        وقال جابر : نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يقتل شيء من الدواب صبرا وعن حنظلة الكاتب قال : غزونا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فمررنا على امرأة مقتولة قد اجتمع عليها الناس، فأفرجوا له فقال: " ما كانت هذه تقاتل فيمن يقاتل !"

        ثم قال لرجل : " انطلق إلى خالد بن الوليد فقل له إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يأمرك يقول:  لا تقتلن ذرية ولا عسيفا"

        وقال – ذات يوم في معركة مستنكرًا على بعض أصحابه - : " ما بال قوم جاوزهم القتل اليوم حتى قتلوا الذرية "

        فقال رجل : يا رسول الله :إنما هم أولاد المشركين، فقال : "ألا إن خياركم أبناء المشركين .." ، ثم قال : " ألا لا تقتلوا ذرية ، ألا لا تقتلوا ذرية !! كل نسمة تولد على الفطرة حتى يهب عنها لسانها فأبواها يهودانها و ينصرانها "

        وهذه النصوص وغيرها من دستور العسكرية الإسلامية التي وضعها رسول الله صلى الله عليه وسلم تشتمل على الأصول الأخلاقية للحرب، وهذه جملتها:

1- الإخلاص والتجرد للأهداف الحقيقية للحرب وترك ما يخالف ذلك من غلول وغدر وثأر وانتقام. 

2- المحافظة على البيئة واجتناب الفساد في الأرض بتحريق الأشجار وقتل الحيوانات لغير ضرورة.

3- عدم التعرض لغير المقاتلين من النساء والصبيان والشيوخ.

4- السماحة الدينية واحترام مقدسات الآخرين، بعدم قتل الرهبان والقسيسين ما لم يقاتلوا أو يعينوا على القتال، وعدم التعرض كذلك لبيعهم وكنائسهم بسوء.1 

10-3- رحمته صلى الله عليه وسلم للأسرى:

          في الوقت الذي كانت فيه الحروب الجاهلية لا تعرف أبسط قواعد أخلاقيات الحرب، ظهر النبي صلى الله عليه وسلم  بمبادئه العسكرية، ليشرع للعالمين تصورًا شاملاً لحقوق الأسرى في الإسلام.

          وفي إكرامه صلى الله عليه وسلم  للأسرى، مظهر فريد من مظاهر الرحمة، في وقت كانت تستباح فيه الحرمات والأعراض .. وكثيراً ما أطلق صلى الله عليه وسلم سراح الأسرى في سماحة بالغة ، رغم أن عددهم بلغ في بعض الأحيان ستة آلاف أسير" .

          يقول سيديو : "والكل يعلم أنه صلى الله عليه وسلم  رفض -بعد غزوة بدر- رأي عمر بن الخطاب في قتل الأسرى... وأنه صفح عن قاتل عمه حمزة ، وأنه لم يرفض - قط -ما طلب إليه من اللطف والسماح".

          وقد أطلق المسلمون من في أيديهم من أسرى  بني المصطلق – بعد معركة مع بني المصطلق من اعداء الرسول صلى الله عليه وسلم، وذلك أن جُوَيْرِيَة بنت الحارث سيد بني المصطلق وقعت في سهم ثابت ابن قيس، فكاتبها، فـأدي عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وتزوجهـا، فأعـتق المسلـمون بسبـب هـذا التزويـج مـائـة أهـل بيـت مـن بنـي المصطلق قـد أسلمـوا، وقـالـوا‏:‏ أصهـار رسول الله صلى الله عليه وسلم.‏ حيث كره المسلمون أن يأسروا أصهار رسول الله ! قالت عائشة : فما أعلم امرأة أعظم بركة على قومها منها.

          واستكثر الصحابة على أنفسهم أن يتملكوا أصهار نبيهم وقائدهم صلى الله عليه وسلم ، وحيال هذا العتق الجماعي، وإزاء هذه الأريحية الفذة، دخلت القبيلة كلها في دين الله.

          وهناك نماذج أخرى في رحمة رسول الله صلى الله عليه وسلمللأسرى ولكن لايسعنا ذكرها كلها كأسرى بني قريضةحين كانوا تحت الشمس فأمر من يقومون بحراستهم قائلاً: "لاتجمعوا عليهم حر هذا اليوم وحر السلاح... قيلوهم حتى يبردوا".1


.....يتبع

 
 
Publicité
 
 
Aujourd'hui sont déjà 1 visiteurs (3 hits) Ici!
=> Veux-tu aussi créer une site gratuit ? Alors clique ici ! <=