الفصل الثالث // غزوة تبوك //

الفصل الثالث
غزوة تبوك

تمهي

         من كان يصدّق أنّ العرب الذين كانوا مجرّد قبائل متناحرة ، ليس لهم كيانٌ يُذكر ، ولا أيّ قدرةٍ على مواجهة الأخطار الخارجيّة ، سيأتي عليهم يومٌ يتوّحدون فيه ، وتكون لهم دولة مستقلّة ، ويجابهون أعظم قوّةٍ في ذلك الزمان ، ويغزونها في عقر دارها ؟ .

        إنّ ذلك لم يكن ليتحقّق إلا في ظلّ رسالة الإسلام ، والتي أصبح المسلمون من خلالها قوةً يحسب لها الآخرون ألف حساب ، حتى استطاعوا أن يعودوا إلى مكّة فاتحين خلال ثمان سنين من هجرتهم ، ليستقبلوا أفواج الناس التي أقبلت للدخول في دين الله  .

         فبعد استقرار الوضع الداخليّ في مكّة ، توجّه النبي - صلى الله عليه وسلم – بالنظر إلى الخارج لإكمال مهمّة الدعوة والبلاغ ، خصوصاً وأنّ الأنباء كانت قد وصلت إليه أنّ الروم بدأت بحشد قوّاتها لغزو المسلمين ، فأراد النبي - صلى الله عليه وسلم – أن يبادرهم بالخروج إليهم ، في غزوة عرفها التاريخ بإسم " غزوة تبوك " .

         تكتسي غزوة تبوك قيمتها من كونها آخر غزوة يغزوها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن طبيعة العدو، أنّه لأول مرة يواجه المسلمون جيشا نظاميا متمثلا في أعتى قوة عسكرية في العالم وقتها.

         فكيف سيواجه الجيس الاسلامي المحدود القوة جيشا نظاميا ويعتبر مدرسة عسكرية لها وزنها العالمي وليس الاقليمي فقط ؟ وهل يستطيع الجيش الاسلامي جمع الاموال والصبر على بعد المسافة بين تبوك والمدينة ؟

  

1- تاريخها وأسماؤها:

         خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لهذه الغزوة في رجب من العام التاسع الهجري بعد العودة من حصار الطائف بنحو ستة أشهر.

واشتهرت هذه الغزوة باسم غزوة تبوك، نسبة إلى مكان هو عين تبوك، التي انتهى إليها الجيش الإسلامي، وأصل هذه التسمية جاء في صحيح مسلم, فقد روي بسنده إلى معاذ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ستأتون غدًا إن شاء الله عين تبوك، وإنكم لن تأتوها حتى يضحى النهار، فمن جاءها منكم فلا يمس من مائها شيئا حتى آتي». 1

         وللغزوة اسم آخر, وهو: غزوة العسرة، وقد ورد هذا الاسم في القرآن الكريم حينما تحدث عن هذه الغزوة في سورة التوبة، قال تعالى: ( لَقَد تَابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ )

 وقد روى البخاري بسنده إلى أبي موسى الأشعري، قال: أرسلني أصحابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أسأله الحملان لهم إذ هم معه في جيش العسرة، وهي غزوة تبوك..., وعنون البخاري لهذه الغزوة بقوله: (باب غزوة تبوك وهي غزوة العسرة).

         لقد سميت بهذا الاسم لشدة ما لاقى المسلمون فيها من الضنك، فقد كان الجو شديد الحرارة، والمسافة بعيدة، والسفر شاقًّا لقلة المؤونة وقلة الدواب التي تحمل المجاهدين إلى أرض المعركة، وقلة الماء في هذا السفر الطويل والحر الشديد، وكذلك قلة المال الذي يجهز به الجيش وينفق عليه, ففي تفسير عبد الرزاق عن معمر بن عقيل قال: خرجوا في قلة من الظهر, وفي حر شديد حتى كانوا ينحرون البعير فيشربون ما في كرشه من الماء، فكان ذلك عسرة من الماء, وهذا الفاروق عمر بن الخطاب يحدثنا عن مدى ما بلغ العطش من المسلمين فيقول: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك في قيظ شديد فنزلنا منزلا أصابنا فيه عطش شديد حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع, حتى إن كان أحدنا يذهب يلتمس الخلاء فلا يرجع حتى يظن أن رقبته تنقطع، وحتى إن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرشه فيشربه وبضعه على بطنه.

          وللغزوة اسم ثالث هو: الفاضحة, ذكره الزرقاني –رحمه الله– في كتابه «شرح المواهب اللدنية» وسميت بهذا الاسم لأن هذه الغزوة كشفت عن حقيقة المنافقين, وهتكت أستارهم، وفضحت أساليبهم العدائية الماكرة، وأحقادهم الدفينة، ونفوسهم الخبيثة, وجرائمهم البشعة بحق رسول الله والمسلمين.

وأما موقع تبوك فيقع شمال الحجاز, يبعد عن المدينة 778 ميلاً حسب الطريق المعبدة في الوقت الحاضر، وكانت من ديار قضاعة الخاضعة لسلطان الروم آنذاك.2

2- سـبب الغـزوة :

 

         يعود السبب الرئيس لهذه المواجهة العسكرية لواقعة مقتل سفير رسول الله صلى الله عليه وسلم الحارث بن عمير الأزدي، على يد شرحبيل بن عمرو الغساني الموالي للروم، فبعث وقتها رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية زيد بن حارثة التي اصطدمت في مواجهة عسكرية مع الروم في موقعة مؤتة، مواجهة وإن لم تحسم عسكريا لأي طرف، إلا أنها اعتبرت تطاولا على هيبة الروم، تقتضي ردا عنيفا في شكل تأديب لهذه القوة الناشئة في المنطقة، يحفظ للروم هيبتهم واعتبارهم بين قبائل العرب المتاخمة للإمبراطورية الرومانية، وقبل أن تتجسد في صورة خطر عظيم لا يمكن القضاء عليها، فتثير القلاقل والثورات في المناطق العربية المجاورة للرومان.

         لذلك راح الروم يتهيأون لهجوم كاسح على المسلمين ولم يترك القيصر مرور السنة على معركة مؤتة فبدأ بتجهيز الجيش من الرومان والعرب التابعة لهم من ال غسان وغيرهم، ولم يكن خبر بهذه الخطورة ليخفى على المسلمين الذين أخذوا الأمر مأخذ الجد، حتى كان الخوف يتسورهم كل حين، لا يسمعون صوتا غير معتاد إلا ويظنونه زحف الرومان.1

 

3- الاستعداد للمواجهة:

         بالنسبة للروم لم يكلفهم الاستعداد للمعركة جهدا كبيرا، بالنظر إلى طبيعة النظام القيصري العسكري، فالقوة العسكرية رأسماله، بها بسط نفوذه وفرض سيطرته على ما حول الشام من قبائل عربية، وقد حشد جيشا عرمرما من أربعين ألف جندي وبإمكانيات مادية هائلة، ناهيك عن الخبرة الواسعة في الحروب ودرايته بالخصوصيات الطبيعية للمنطقة؛ وعلى النقيض من ذلك كله، كان المسلمون في سنة جدب وحر شديدين، فتهمّم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبلغ به الأمر أن اعتزل زوجاته وهجرهن شهرا، حتى ظن الصحابة أنه طلقهن.
         
اتّخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم القرار الحاسم بالمواجهة، وتفاديا لتكرار ما تعرض إليه المسلمون من عناء خلال غزوة الأحزاب، عزم النبي صلى الله عليه وسلم على مواجهة الروم أبعد ما يكون عن المدينة المنورة خاصة، وديار المسلمين عامة، يقول صاحب الرحيق المختوم: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرف كل ذلك جيدا، ولذلك قرر القيام ـمع ما كان فيه من العسرة والشدةـ بغزوة فاصلة يخوضها المسلمون ضد الرومان في حدودهم، ولا يمهلونهم حتى يزحفوا إلى ديار الإسلام؛ وهذا تأكيد لقرار نبوي سبق أن اتخذه مباشرة بعد اندحار جيوش الأحزاب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الآن نغزوهم ولا يغزوننا، نحن نسير إليهم".
         ولما لم يكن ببيت مال المسلمين ما يكفي لتجهيز الجيش، نادى منادي الجهاد وفتح باب جمع الأموال والمؤن، فتسابق المسلمون أغنياؤهم وفقراؤهم، نساؤهم ورجالهم في البذل، وبقدر ما كانت الاستجابة تلقائية ومدهشة لم ترق لتأمين حاجيات أكبر جيش إسلامي وقتذاك.
          ولم يكن شح الإمكانيات المادية وحده عقبة تواجه المسلمين، بل كان هناك ما هو أدهى وأخطر متمثلا في الطابور الخامس - على حد تعبير الشهيد سيد قطب - حيث انتعش نشاط المنافقين في المدينة وما حولها، وراحوا يتربصون – كالعادة- بالمسلمين الدوائر من خلال واجهتين:

الواجهة الأولى: "تثبيط عزيمة المسلمين على المواجهة بالتركيز على توقيت المعركة غير المناسب: "وقالوا: لا تنفـروا في الحر"، والتهويل من شأن جيش الروم الذي لا يقهر.

 الواجهة الثانية: تمثلت في التخطيط للتآمر على المسلمين ونقل أخبارهم أولا بأول، وكشف قدراتهم العسكرية، وتسهيلا لعمليات التنسيق بين المنافقين أسسوا مسجد الضرار، ودعوا الرسول عليه الصلاة والسلام لتدشينه والصلاة فيه، ولم يفعل لكثرة انشغالاته بالمعركة الفاصلة ضد الروم.1

4- الأخبار العامة عن استعداد الرومان وغَسَّان‏ :

         كانت الأنباء تترامي إلى المدينة بإعداد الرومان ؛ للقيام بغزوة حاسمة ضد المسلمين، حتى كان الخوف يتسورهم كل حين، لا يسمعون صوتاً غير معتاد إلا ويظنونه زحف الرومان‏، ‏ويظهر ذلك جلياً مما وقع لعمر بن الخطاب، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم قد ابتعد عن نسائه شهراً في هذه السنة، حيث هجرهن واعتزل عنهن في مشربة له ، ولم يفطن الصحابة إلى حقيقة الأمر في بدايته، فظنوا أن النبي صلى الله عليه وسلم طلقهن، فسري فيهم الهم والحزن والقلق‏،‏ حيث يقول عمر بن الخطاب -وهو يروي هذه القصة-‏:‏ وكان لي صاحب من الأنصار إذا غبت أتاني بالخبر، وإذا غاب كنت آتية أنا بالخبر ـ وكانا يسكنان في عوالى المدينة، يتناوبان إلى النبي صلى الله عليه وسلم ـ ونحن نتخوف ملكاً من ملوك غسان ذكر لنا أنه يريد أن يسير إلينا، فقد امتلأت صدورنا منه، فإذا صاحبي الأنصاري يدق الباب، فقال‏:‏ افتح، افتح، فقلت‏:‏ جاء الغساني‏؟‏ فقال‏:‏ بل أشد من ذلك، اعتزل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أزواجه‏.‏‏.‏‏.‏

         وهذا يدل على خطورة الموقف، الذي كان يواجهه المسلمون بالنسبة إلى الرومان، ويزيد ذلك تأكداً ما فعله المنافقون حينما نقلت إلى المدينة أخبار إعداد الرومان، فبرغم ما رآه هؤلاء المنافقون من نجاح رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في كل الميادين، وأنه لا يوجل من سلطان على ظهر الأرض، بل يذيب كل ما يعترض في طريقه من عوائق ـ برغم هذا كله ـ طفق هؤلاء المنافقون يأملون في تحقق ما كانوا يخفونه في صدورهم، وما كانوا يتربصونه من الشر بالإسلام وأهله‏

         ونظراً إلى قرب تحقق آمالهم أنشأوا وكرة للدس والتآمر، في صورة مسجد، وهو مسجد الضِّرَار، أسسوه كفراً وتفريقاً بين المؤمنين وإرصاداً لمن حارب اللّه ورسوله، وعرضوا على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أن يصلي فيه، وإنما مرامهم بذلك أن يخدعوا المؤمنين فلا يفطنوا ما يؤتي به في هذا المسجد من الدس والمؤامرة ضدهم، ولا يلتفتوا إلى من يرده ويصدر عنه، فيصير وكرة مأمونة لهؤلاء المنافقين ولرفقائهم في الخارج، ولكن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أخر الصلاة فيه ـ إلى قفوله من الغزوة ـ لشغله بالجهاز، ففشلوا في مرامهم وفضحهم اللّه، حتى قام الرسول صلى الله عليه وسلم بهدم المسجد بعد القفول من الغزو، بدل أن يصلي فيه‏.‏ 1

5- الإنفاق في هذه الغزوة:

      حثّ رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحابة على الإنفاق في هذه الغزوة لبعدها، وكثرة المشركين فيها، ووعد المنفقين بالأجر العظيم من الله، فأنفق كل حسب مقدرته, وكان عثمان رضي الله عنه صاحب القِدْح المُعَلَّى في الإنفاق في هذه الغزوة, فهذا عبد الرحمن بن حباب يحدثنا عن نفقة عثمان حيث قال: شهدت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يحث على جيش العسرة، فقام عثمان بن عفان فقال: يا رسول الله, عليَّ مائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله، ثم حض على الجيش فقام عثمان بن عفان، فقال: يا رسول الله, عليَّ مائتا بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله، ثم حض على الجيش فقام عثمان بن عفان فقال: يا رسول الله, عليَّ ثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله، فأنا رأيت رسول الله ينزل عن المنبر وهو يقول: ما على عثمان ما عمل بعد هذه، ما على عثمان ما عمل بعد هذه.

        وعن عبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنهما قال: جاء عثمان بن عفان إلى النبي صلى الله عليه وسلم بألف دينار في ثوبه حين جهز النبي صلى الله عليه وسلم جيش العسرة، قال: فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقبلها بيده ويقول: «ما ضر ابن عفان ما عمل بعد اليوم -يرددها مرارًا-». 2

       وأما عمر فقد تصدق بنصف ماله وظن أنه سيسبق أبا بكر بذلك, وهذا الفاروق يحدثنا بنفسه عن ذلك حيث قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا أن نتصدق، فوافق ذلك مالا عندي, فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يومًا، فجئت بنصف مالي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أبقيت لأهلك؟» قلت: مثله، قال: وأتى أبو بكر رضي الله عنه بكل ما عنده، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أبقيت لأهلك؟» قال: أبقيت لهم الله ورسوله، قلت: لا أسابقك إلى شيء أبدا.

      وكانت لبعض الصحابة نفقات عظيمة، كالعباس بن عبد المطلب، وطلحة بن عبيد الله، ومحمد بن مسلمة، وعاصم بن عدي رضي الله عنهم.

      وهكذا يفهم المسلمون أن المال وسيلة, واستطاع أغنياء الصحابة أن يبرهنوا أن مالهم في خدمة هذا الدين، يدفعونه عن طواعية ورغبة، وإن تاريخ الأغنياء المسلمين تاريخ مشرف؛ لأن تاريخ المال في يد الرجال لا تاريخ الرجال تحت سيطرة المال, وكما كان الجهاد بالنفس، فكذلك هو بالمال، وإن الذين ربوا على أن يقدموا أنفسهم، تهون عليهم أموالهم في سبيل الله تعالى

       إنّ في مسارعة المنفقين من الصحابة إلى البذل والإنفاق دليلا على ما يفعله الإيمان في نفوس المؤمنين من مسارعة إلى فعل الخير, ومقاومة لأهواء النفس وغرائزها، مما تحتاج إليه كل أمة لضمان النصر على أعدائها، وخير ما يفعله المصلحون وزعماء النهضات هو غرس الدين في نفوس الناس غرسًا كريمًا

      وقدم فقراء المسلمين جهدهم من النفقة على استحياء؛ ولذلك تعرضوا لسخرية وغمز ولمز المنافقين، فقد جاء أبو عقيل بنصف صاع تمر, وجاء آخر بأكثر منه، فلمزوها قائلين: إن الله لغني عن صدقة هذا، وما فعل هذا الآخر إلا رياء، فنزلت الآية: ( الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ )

      وقالوا: ما أعطي ابن عوف هذا إلا رياء، فكانوا يتهمون الأغنياء بالرياء ويسخرون من صدقة الفقراء

       لقد حزن الفقراء من المؤمنين؛ لأنهم لا يملكون نفقة الخروج إلى الجهاد, فهذا عُلَبة بن زيد أحد البكائين، صلى من الليل وبكى، وقال: اللهم إنك قد أمرت بالجهاد، ورغبت فيه، ولم تجعل عندي ما أتقوى به مع رسولك، وإني أتصدق على كل مسلم بكل مظلمة أصابني بها في جسد أو عرض، فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم أنه قد غفر له

       وفي هذه القصة وما جرى فيها آيات من الإخلاص وحب الجهاد لنصرة دين الله، وبث دعوته في الآفاق, وفيها من لطف الله بضعفاء المؤمنين الذين يعيشون في حياتهم عيشة عملية. 1

      وهذا واثلة بن الأسقع نتركه يحدثنا عن قصته:... عندما نادى رسول الله في غزوة تبوك، خرجت إلى أهلي فأقبلت وقد خرج أول صحابة رسول الله فطفقت في المدينة أنادي: ألا من يحمل رجلاً له سهمه؟ فإذا شيخ من الأنصار، فقال: لنا سهمه على أن نحمله عقبة، وطعامه معنا؟ فقلت: نعم، قال فسر على بركة الله، فخرجت مع خير صاحب حتى أفاء الله علينا، فأصابني قلائص، فسقتهن حتى أتيته فخرج، فقعد على حقيبة من حقائب إبله، ثم قال: سقهن مدبرات, ثم قال: سقهن مقبلات، فقال: ما أرى قلائصك إلا كرامًا, إنما هي غنيمتك التي شرطت لك، قال: خذ قلائصك يا ابن أخي فغير سهمك أردنا.

     وهكذا تنازل واثلة في بداية الأمر عن غنيمته ليكسب الغنيمة الأخروية، أجرًا وثوابًا يجده عند الله يوم لقائه، وتنازل الأنصاري عن قسم كبير من راحته ليتعاقب وواثلة على راحلته ويقدم له الطعام مقابل سهم آخر هو الأجر والثواب.

     إنها مفاهيم تنبع من المجتمع الذي تربى على كتاب الله وسنة رسوله، لها نفس الخاصية في الإضاءة وتحمل نفس البريق، متمم بعضها لبعضها الآخر

     وجاء الأشعريون يتقدمهم أبو موسى الأشعري يطلبون من النبي صلى الله عليه وسلم أن يحملهم على إبل ليتمكنوا من الخروج للجهاد, فلم يجد ما يحملهم عليه حتى مضى بعض الوقت فحصل لهم على ثلاثة من الإبل

     وبلغ الأمر بالضعفاء والعجزة ممن أقعدهم المرض أو النفقة عن الخروج إلى حد البكاء شوقًا للجهاد وتحرجًا من القعود حتى نزل فيهم قرآن: ( لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إذا نَصَحُوا للهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ` وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إذا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ ) .

      إنّها صورة مؤثرة للرغبة الصحيحة في الجهاد على عهد رسول الله، وما كان يحسه صادقو الإيمان من ألم إذا ما حالت ظروفهم المادية بينهم وبين القيام بواجباتهم، وكان هؤلاء المعوزون وغيرهم ممن عذر الله لمرض أو كبر سن أو غيرهما يسيرون بقلوبهم مع المجاهدين وهم الذين عناهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قال: «إن بالمدينة أقوامًا ما سرتم مسيرًا ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم» قالوا: يا رسول الله، وهم بالمدينة؟ قال: «وهم بالمدينة حبسهم العذر» 1

 

6- موقف المنافقين من غزوة تبوك:

 

    عندما أعلن الرسول صلى الله عليه وسلم النفير ودعا إلى الإنفاق في تجهيز هذه الغزوة، أخذ المنافقون في تثبيط همم الناس قائلين لهم: لا تنفروا في الحر، فأنزل الله تعالى فيهم: ( فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ اللهِ وَكَرِهُوا أَن يُّجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقَالُوا لاَ تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ).

    وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ناسًا منهم يجتمعون في بيت سويلم اليهودي يثبطون الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسل إليهم من أحرق عليهم بيت سويلم.

    وهذا يدل على مراقبة المسلمين الدقيقة ومعرفتهم بأحوال المنافقين واليهود، فقد كانت عيون المسلمين يقظة تراقب تحركات اليهود والمنافقين، واجتماعاتهم وأوكارهم، بل كانوا يطّلعون فيها على أدقِّ أسرارهم واجتماعاتهم وما يدور فيها من حبك المؤامرات, وابتكار أساليب التثبيط, واختلاق الأسباب الكاذبة لإقناع الناس بعدم الخروج للقتال، وقد كان علاج رسول الله لدعاة الفتنة وأوكارها حازما حاسما، إذ أمر بحرق البيت على من فيه من المنافقين، وأرسل من أصحابه من ينفذه, ونفذ بحزم, وهذا منهج نبوي كريم يتعلم منه كل مسؤول في كل زمان ومكان كيف يقف من دعاة الفتنة ومراكز الشائعات المضللة التي تلحق الضرر بالأفراد والمجتمعات والدول؛ لأن التردد في مثل هذه الأمور يعرض الأمن والأمان إلى الخطر وينذر بزوالها.2

         لقد كانت غزوة تبوك منذ بداية الإعداد لها مناسبة للتمييز بين المؤمنين والمنافقين، ووضحت فيها الحواجز بين الطرفين، ولم يعد هناك أي مجال للتستر على المنافقين أو مجاملتهم, بل أصبحت مجابهتهم أمرًا ملحًّا بعد أن عملوا كل ما في وسعهم لمجابهة الرسول والدعوة، وتثبيط المسلمين عن الاستجابة للنفير الذي أعلنه الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم والذي نزل به القرآن الكريم، بل وأصبح الكشف عن نفاق المنافقين، وإيقافهم عند حدهم واجبًا شرعيًّا.1

7- إعلان النفير وتعبئة الجيش وتوزيع القيادات:

        أُعلن النفير العام للخروج لغزوة تبوك وأُمر الصحابة أن يتجهزوا للقتال، وبُعث إلى القبائل من العرب وإلى أهل مكة يستنفرهم‏.

     وقد استطاع رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحشد ثلاثين ألف مقاتل من المهاجرين والأنصار وأهل مكة والقبائل العربية الأخرى، ولقد أعلن رسول الله صلى الله عليه وسلم -على غير عادته في غزواته- هدفه ووجهته في القتال، إذ أعلن صراحة أنه يريد قتال بني الأصفر (الروم), علما بأن هديه في معظم غزواته أن يوري فيها, ولا يصرح بهدفه ووجهته وقصده, حفاظًا على سرية الحركة ومباغتة العدو. 2

     وقد استدل بعض العلماء بهذا الفعل على جواز التصريح لجهة الغزو إذا لم تقتضِ المصلحة ستره، وقد صرح صلى الله عليه وسلم في هذه الغزوة -على غير العادة- بالجهة التي يريد غزوها وجلى هذا الأمر للمسلمين لأسباب, منها:

1- بعد المسافة، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدرك أن السير إلى بلاد الروم يعد أمرًا صعبًا؛ لأن التحرك سيتم في منطقة صحراوية ممتدة قليلة الماء والنبات، ولا بد - حينئذ- من إكمال المؤونة ووسائل النقل للمجاهدين قبل بدء الحركة؛ حتى لا يؤدي نقص هذه الأمور إلى الإخفاق في تحقيق الهدف المنشود.

2- كثرة عدد الروم, بالإضافة إلى أن مواجهتهم تتطلب إعدادًا خاصًّا، فهم عدو يختلف في طبيعته عن الأعداء الذين واجههم النبي صلى الله عليه وسلم من قبل، فأسلحتهم كثيرة، ودرايتهم بالحرب كبيرة, وقدرتهم القتالية فائقة.

3- شدة الزمان، وذلك لكي يقف كل امرئ على ظروفه, ويعد النفقة اللازمة له في هذا السفر الطويل لمن يعول وراءه.

4- بالإضافة إلى أنه لم يعد مجال للكتمان في هذا الوقت، حيث لم يبق في جزيرة العرب قوة معادية لها خطرها تستدعي هذا الحشد الضخم سوى الرومان ونصارى العرب الموالين لهم في منطقة تبوك ودومة الجندل والعقبة.3

   لقد شرع رسول الله صلى الله عليه وسلم لنا الأخذ بمبدأ المرونة عند رسم الخطط الحربية، ومراعاة المصلحة العامة في حالتي الكتمان والتصريح, ويعرف ذلك من مقتضيات الأحوال. ولما علم المسلمون بجهة الغزوة سارعوا إلى الخروج إليها.

    واستخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم على المدينة محمد بن مسلمة الأنصاري، وخلَّف علي بن أبي طالب على أهله، فأرجف به المنافقون وقالوا: ما خلفه إلا استثقالا وتخففا منه، فأخذ علي رضي الله عنه سلاحه، ثم خرج حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو نازل بالجرف فقال: يا نبي الله, زعم المنافقون أنك إنما خلّفتني لأنك استثقلتني وتخففت مني، فقال: «كذبوا, ولكني خلفتك لما تركت ورائي، فارجع فاخلفني في أهلي وأهلك, أفلا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟ إلا أنه لا نبي بعدي» فرجع عليُّ إلى المدينة.

    وكان استخلاف علي رضي الله عنه في أهله باعتبار قرابته ومصاهرته, فكان استخلافه في أمر خاص، وهو القيام بشأن أهله، وكان استخلاف محمد بن مسلمة الأنصاري في الغزوة نفسها استخلافًا عامًّا، فتعلق بعض الناس بأن استخلاف علي يشير إلى خلافته من بعده، ولا صحة لهذا القول؛ لأن خلافته كانت في أهله خاصة.

    وعندما تجمع المسلمون عند ثنية الوداع بقيادة رسول الله، اختار الأمراءَ والقادة وعقد الألوية والرايات لهم، فأعطى اللواء الأعظم إلى أبي بكر الصديق, ورايته العظمى إلى الزبير بن العوام رضي الله عنه، ودفع راية الأوس إلى أسيد بن حضير، وراية الخزرج إلى أبي دجانة، وأمر كل بطن من الأنصار أن يتخذ لواء،  واستعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم على حراسة تبوك من يوم قدم إلى أن رحل منها عباد بن بشر، فكان رضي الله عنه يطوف في أصحابه على العسكر, وكان دليل رسول الله في هذه الغزوة علقمة بن الفغواء الخزاعي، فقد كان من أصحاب الخبرة والكفاءة في معرفة طريق تبوك.

     وتحرك رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يوم الخميس نحو الشمال يريد تبوك، ولكن الجيش كان كبيراً ـ ثلاثون ألف مقاتل، لم يخرج المسلمون في مثل هذا الجمع الكبير قبله قط ـ فلم يستطع المسلمون مع ما بذلوه من الأموال أن يجهزوه تجهيزاً كاملاً، بل كانت في الجيش قلة شديدة بالنسبة إلى الزاد والمراكب، فكان ثمانية عشر رجلاً يعتقبون بعيراً واحداً، وربما أكلوا أوراق الأشجار حتى تورمت شفاههم، واضطروا إلى ذبح البعير ـ مع قلتها ـ ليشربوا ما في كرشه من الماء، ولذلك سمي هذا الجيش جيش العُسْرَةِ.

 

    ويلاحظ التطور السريع لعدد المقاتلين بشكل عام, ولسلاح الفرسان بشكل خاص، فقد أصبح الجيش الإسلامي القوة الضاربة للدولة، إذ يلاحظ أن هناك تطورًا سريعًا في مجال القوة العسكرية، إذ بلغ عدد المقاتلين في غزوة بدر الكبرى ثلاثمائة وثلاثة عشر مقاتلا، وفي غزوة أحد بلغ سبعمائة مقاتل تقريبا، وفي غزوة الأحزاب ثلاثة آلاف مقاتل، وفي غزوة فتح مكة عشرة آلاف مقاتل، وفي غزوة حنين بلغ العدد اثني عشر ألف مقاتل، وأخيرًا بلغ عدد المقاتلين في تبوك ثلاثين ألف مقاتل أو يزيد. 1

 

8- الطريق الى تبوك:

 

      قطع الجيش المناضل المسافة البعيدة في صبر جميل، لقد كانوا يقسمون الثمرة الواحدة بين الرجلين لقلة الزاد، وكان يتعاقب الرجلان والثلاثة على البعير الواحد، وكانوا يدخرون الماء لندرته، حتى كانوا ينحرون الإبل ليشربوا الماء الذي تدخره في باطنها.

     وكأنّ هذا الابتلاء ليس كافيًا، فيأتي ابتلاء جديد لاختبار الطاعة لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن القوم وهم في شدة الحاجة للماء، وصلوا إلى منطقة الحجر، وهي المنطقة التي كانت بها ديار ثمود قوم صالح عليه السلام، والتي أهلكها الله عز وجل بالصاعقة لما ظلموا وكفروا بربهم، وعند هذه القرية كانت آبار للماء، ولما رأى المسلمون آبار الماء أسرعوا إليها قبل استئذان الرسول صلى الله عليه وسلم، وملأوا أوعيتهم بالماء، وعجنوا عجينهم بهذا الماء ليصنعوا خبزًا يشبعهم بعد طول جوع، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما علم بذلك فأمرهم أمرًا شاقًا جدًا على نفوسهم، لقد قال لهم لا تَشْرَبُوا مِنْ مَائِهَا شَيْئًا، وَلا تَتَوَضَّئُوا مِنْهُ لِلصَّلَاةِ، وَمَا كَانَ مَنْ عَجِينٍ عَجَنْتُمُوهُ فَاعْلِفُوهُ الْإِبِلَ، وَلَا تَأْكُلُوا مِنْهُ شَيْئًا

    إنّ هذا الماء غير مبارك، وهو ماء الذين ظلموا، والأمر مباشر وصريح بعدم الشرب منه، وليس على المسلمين إلا الطاعة، وقد يقول قائل، أوَيجادل مجادل أن هذا الماء ليس له علاقة بشاربه، فيشرب منه البر والفاجر، والمؤمن والكافر، ونحن في حاجة للماء، والرسول صلى الله عليه وسلم كان يشرب من ماء مكة، وغيرها دون أن يسأل أهو ماء كفار أم مسلمين؟

    كل هذه حجج قد تقال، وشبهات قد تثار، فليس كل الأوامر يتضح لنا فيها الحكمة، بل إن بعض الأوامر قد يخفي الله عز وجل حكمتها عنا؛ ليختبر مدى طاعتنا لأوامره دون تردد أو فتور، ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا ). 1

     ونجح المسلمون الصادقون في الاختبار، ولم يشربوا من ماء ثمود، بل أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا يدخلوا ديارها أصلا، وإن حدث ودخلوها لأي سبب فليدخلوها باكين تأثرًا بما حدث لهم عندما خالفوا أمر الله عز وجل

     إضافة الى ذلك كانت أحداث كثيرة في الطريق ليس المجال لتفصيلها، منها بعض المعجزات لرسول الله صلى الله عليه وسلم مثل تكثير الطعام، ومثل الاستسقاء، ونزول المطر مباشرة، ومثل إخباره عن مكان شرود ناقته مع بعد مكانها عنه، ومثل خروج الماء من وادي المشقق مع عدم وجوده في البداية، ومثل إخباره عن ريح قبل أن تهب، ومنها إبطاء أبي ذر لضعف بعيره، ثم إكماله الطريق إلى تبوك مشيًا على أقدامه.

      ومنها نوم الصحابة، ومعهم الرسول صلى الله عليه وسلم عن صلاة الصبح في يوم من الأيام ثم صلاة الصبح قضاء ومنها موت الصحابي الجليل ذي البجادين رضي الله عنه

      ومنها مواقف متعددة خبيثة من المنافقين، كالاستهزاء بالرسول صلى الله عليه وسلم وآيات الله، ونزول آيات قرآنية تكشف مكرهم وتدبيرهم.1

 

9- مـاحدث بتبوك:

 

     عندما وصل النبي صلى الله عليه وسلم لم يجد أثرًا للحشود الرومانية ولا القبائل العربية, وبالرغم من أن الجيش مكث عشرين ليلة في تبوك لم تفكر القيادة الرومانية مطلقا في الدخول مع المسلمين في قتال، حيث أخذهم الرعب، فلم يجرئوا على التقدم واللقاء، بل تفرقوا في البلاد في داخل حدودهم، فكان لذلك أحسن أثر بالنسبة إلى سمعة المسلمين العسكرية في داخل الجزيرة وأرجائها النائية، وحصل بذلك المسلمون على مكاسب سياسية كبيرة وخطيرة، لعلهم لم يكونوا يحصلون عليها لو وقع هناك اصطدام بين الجيشين، أما حكام المدن في أطراف الشام فقد آثروا الصلح ودفع الجزية، فقد أرسل ملك أيلة للنبي صلى الله عليه وسلم هدية -وهي بغلة بيضاء وبرد- فصالحه على الجزية.

    وأُرسل خالد بن الوليد رضي الله عنه على رأس سرية من الفرسان بلغ عددها أربعمائة وعشرين فارسا إلى دومة الجندل، واستطاع خالد بن الوليد أن يأسر أكيدر بن عبد الملك الكندي –ملكها- وهو في الصيد خارجها, فصالحه النبي صلى الله عليه وسلم على الجزية.

        وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم معاهدات لكل من أهل جرباء وأذرح، ولأهل مقنا يؤدي بموجبها هؤلاء الناس من نصارى العرب الجزية كل عام، وتخضع لسلطان المسلمين.2

        لقد انفرد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإمارات الواقعة في شمال الجزيرة وعقد معها معاهدات, وبذلك أمن حدود الدولة الإسلامية الشمالية, وبهذه المعاهدات قص صلى الله عليه وسلم أجنحة الروم، فقد كانت هذه القبائل تابعة للروم ودخلوا في النصرانية، فإقدام من أقدم منها على مصالحة رسول الله والتزامها بالجزية يعد قصًا لهذه الأجنحة، وبترًا لحبال تبعيتهم للروم، وتحريرًا لهم من هذه التبعية التي كانت تذلهم وتخضعهم لسلطان الروم، لينالوا من تساقط فتاتهم شيئا يعيشون به، وخوفا من ظلمهم لقوتهم الباطشة, وقد وفوا بعهد الصلح والتزموا أداء الجزية, فأعطوها عن يد وهم صاغرون, وهذه سياسة نبوية حكيمة ، فقد استطاع أن يفصل بين المسلمين والروم بإمارات تدين للرسول بالطاعة وتخضع لحكم المسلمين، وأصبحت في زمن الخلفاء الراشدين نقاط ارتكاز سهلت مهمة الفتح الإسلامي في عهدهم, فمنها انطلقت قوات المسلمين إلى الشمال، وعليها ارتكزت لتحقيق هدفها العظيم.

         وقد فكر رسول الله صلى الله عليه وسلم في استكمال السير شمالا، ومطاردة الرومان في بلاد الشام، ولكنه قبل ان يتحرك استشار المسلمين، فأشار عليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالرجوع الى المدينة، وقال له : يارسول الله إنّ للروم جموعا كثيرة، وليس بالشام أحد من أهل الاسلام، وقد دنوت منهم، وقد افزعهم دنوك، فلو رجعت هذه السنة حتى ترى، او يحدث الله أمرا.

         فعمر بن الخطاب رضي الله عنه كان صائبا في كون دخول الشام تعتبر مخاطرة كبيرة، خصوصا أنّ أراضي الشام ليست صحراوية، وقتال المسلمين فيها سيكون جديدا عليهم، بينما سيكون قتال الروم أكثر ضراوة ومهارة، كما أنّ عدد جنود الروم في الشام لا تقل عن مائتين وخمسين ألف جندي، وهذه أعداد هائلة، ظافة إلى القبائل المساعدة من العرب، فرجوع الرسول صلى الله عليه وسلم وهو في نصر لاينكره أحد أفضل من مخاطرة غير محسوبة، وقد أخذ الرسول صلى الله عليه وسلم باستشارة عمر رضي الله، ولم يندفع اندفاعا عاطفيا، ولم تخرجه نشوة النصر عن حدود العقل، فآثر العودة بعد أَن حقق هذه المكاسب الهائلة.1

10- أهم نتائــج هـــذه الغزوة:

    1- اسقاط هيبة الروم من نفوس العرب جميعا – مسلمهم وكافرهم على السواء – لأن الروم كانت في حس العرب قوة لا تقاوم ولا تغلب، ومن ثم فقد فزعوا من ذكر الروم وغزوهم، فكان لابد من هذا التغير العام لإزاحة هذه الهزيمة النفسية من نفوس العرب.

    2- اظهار قوة الدولة الاسلامية كقوة وحيدة في المنطقة قادرة على تحدي القوى العظمى عالميا ليس بدافع عصبي أو عرقي، أو تحقيق أطماع، وإنّما بدافع دعوة  الانسانية الى تحرير نفسها من عبودية العباد الى عبودية رب العباد، ولقد حققت هذه الغزوة الغرض المرجو منها، بالرغم من عدم الاشتباك الحربي.

    3- أصبحت القبائل العربية الشامية الأخرى التي لم تخضع للسيطرة الإسلامية في تبوك تتعرض بشدة للتأثير الإسلامي، وبدأت الكثير من هذه القبائل تراجع موقفها وتقارن بين جدوى الاستمرار في الولاء للدولة البيزنطية أو تحويل هذا الولاء إلى الدولة الإسلامية الناشئة، ويعد ما حدث في تبوك نقطة البداية العملية للفتح الإسلامي لبلاد الشام.

    4- وضع الرسول الله صلى الله عليه وسلم الأسس الأولى والخطوات المثلى لفتح بلاد الشام والفتوحات الإسلامية.1

11- الرجوع الى المدينة ومحاولة اغتيال النبي :

         قرر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرجع الى المدينة، وكان رجوعه هذا في ( 26 من رمضان سنة 9 هـ)، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بهدم مسجد الضرار الذي بناه المنافقون وهو راجع إلى المدينة، ولما اقترب من المدينة خرج الصبيان إلى ثنية الوداع يتلقونه

         وقد كانت هناك محاولة لقتله صلى الله عليه وسلم من قبل المنافقين، ففي الطريق عند العقبة حاول اثنا عشر رجلاً من المنافقين الفتك بالرسول صلى الله عليه وسلم، ولكن كان بصحبته حذيفة بن اليمان، وعمار بن ياسر رضي الله عنهم، ودافعا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهرب المنافقون دون أن يتبين الصحابيان الجليلان ملامحهما، وذلك لأنهم كانوا ملثمين، ومع أن الرسول صلى الله عليه وسلم عرفهم عن طريق الوحي، الاّ أنه لم يقم عليهم الحد، ولم يأمر قبائلهم بالاتيان بهم، وذلك لكي لا يتحدث الناس ويقولون أن محمد يقتل اصحابه، وثانيا لأنه لايملك بينة علا انهما هم من حاولوا قتله، والبينة المقصودة هنا هي البينة الشرعية، وليس البينة عن طريق الوحي، مثل شهادة شهود، وكل ذلك حتى يعلمنا أن لا نقيم حدا أو حكما على أحد من دون بينة، وفي حالة إن لم تكن لدينا بينا فيكفي على المتهم أن يحلف أنه لم يفعل ليصدق، ولاشك في كون المنافقين سيحلفون على الكذب، ولذلك فالقاعدة الشرعية ستطبق في منتهى العدل .   

       ولما لاحت للنبي صلى الله عليه وسلم معالم المدينة من بعيد قال‏:‏ ‏(‏هذه طَابَةُ، وهذا أحُدٌ، جبل يحبنا ونحبه‏)‏، وتسامع الناس بمقدمه، فخرج النساء والصبيان والولائد يقابلن الجيش بحفاوة بالغة ويقلن‏:‏

طلع البـدر علينا ** من ثنيات الوداع     وجب الشكر علينا ** ما دعا لله داع

       وكانت عودته صلى الله عليه وسلم من تبوك ودخوله في المدينة في ( رجب سنة 9هـ )، واستغرقت هذه الغزوة خمسين يوماً، أقام منها عشرين يوماً في تبوك، والبواقي قضاها في الطريق، وكانت هذه الغزوة آخر غزواته صلى الله عليه وسلم‏.‏2

 

 

12- الذين تخلفوا عن الغزوة :

12-1- المخلفون الذين لهم أعذار شرعية وعذرهم الله سبحانه وتعالى:

قال تعالى: ( لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إذا نَصَحُوا للهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ )

        بينت هذه الآية الكريمة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك وكان لهم عذر شرعي بأنه ليس عليهم حرج وليس عليهم إثم في هذا التخلف؛ ذلك لأن لهم عذرًا شرعيًّا منعهم من الخروج, وفي المراد بالضعفاء: أنهم الزمنى والمشايخ الكبار، وقيل: الصغار, وقيل: المجانين، سموا ضعافًا لضعف عقولهم, ذكر القولين الماوردي. والصحيح أنهم الذين يضعفون لزمانة أو عمى، أو سن، أو ضعف في الجسم، والمرضى: الذين بهم أعلال مانعة من الخروج للقتال. 1

12-2- المخلفون الذين ليس لهم أعذار شرعية وتاب الله عليهم:

 

قال تعالى: ( وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ )

     ومعنى الآية الكريمة: أن هؤلاء الجماعة تخلفوا عن الغزو لغير عذر مسوغ للتخلف ثم ندموا على ذلك، ولم يعتذروا بالأعذار الكاذبة كما اعتذر المنافقون, بل تابوا واعترفوا بالذنب ورجوا أن يتوب الله عليهم, والمراد بالعمل الصالح: ما تقدم من إسلامهم وقيامهم بشرائع الإسلام وخروجهم إلى الجهاد في سائر المواطن, والمراد بالعمل السيئ: هو تخلفهم عن هذه الغزوة، وقد أتبعوا هذا العمل السيئ عملا صالحا وهو الاعتراف به والتوبة عنه.

         وأصل الاعتراف الإقرار بالشيء. ومجرد الإقرار لا يكون توبة إلا إذا اقترن به الندم على الماضي والعزم على تركه في الحال والاستقبال، وقد وقع منهم ما يفيد هذا، ومعنى الخلط أنهم خلطوا كل واحد منهما بالآخر, كقولك: خلطت الماء باللبن واللبن بالماء.

        وفي قوله: ( عَسَى اللهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ) دليل على أنه قد وقع منهم -مع الاعتراف- ما يفيد التوبة، أو مقدمة التوبة -وهي الاعتراف- قامت مقام التوبة, وحرف الترجي وهو (عسى) هو في كلام الله –سبحانه- يفيد تحقيق الوقوع لأن الإطماع من الله سبحانه إيجاب؛ لكونه أكرم الأكرمين ( إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) أي: يغفر الذنوب ويتفضل على عباده

وجاءت آية اخرى حيث قال تعالى: ( وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأمْرِ اللهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ )

 

      والمراد بهؤلاء المرجون -كما في الصحيحين- هلال بن أمية، وكعب بن مالك, ومرارة ابن الربيع، وكانوا قد تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمر ما -مع الهمّ باللحاق به عليه الصلاة والسلام- فلم يتيسر لهم, ولم يكن تخلفهم عن نفاق –وحاشاهم- فقد كانوا من المخلصين, فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم وكان ما كان من المتخلفين قالوا: لا عذر لنا إلا الخطيئة, ولم يعتذروا له صلى الله عليه وسلم ولم يفعلوا كما فعل أهل السواري, وأمر رسول الله باجتنابهم، وشدد الأمر عليهم وقد وقف امرهم خمسين ليلة لا يدرون ما الله فاعل بهم.

12-3- المخلفون من المنافقين :

 

قال تعالى: ( فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ اللهِ وَكَرِهُوا أَن يُّجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقَالُوا لاَ تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ ` فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ` فَإِن رَّجَعَكَ اللهُ إلى طَائِفَةٍ مِّنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُل لَّن تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَن تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ ).

      هنا اختلفت سياسة الرسول صلى الله عليه وسلم في معاملته للمنافقين عندما اعتذروا له, عن المسلمين الصادقين, حيث أنه -صلى الله عليه وسلم- عامل المنافقين باللين والصفح، وإختار للمسلمين الصادقين الشدة والعقوبة!.. ولا شك أنّ الشدة والقسوة في هذا المقام مع المسلمين مظهر للإكرام والتشريف، وهو ما لا يستحقه المنافقون، وكيف يستحق المنافقون أن تنزل آيات في توبتهم -على أي حال؟! إنهم كفرة، ولن ينشلهم شيء -مما يتظاهرون به في الدنيا-، من الدرك الأسفل في النار يوم القيامة،

     وقد أمر الشارع جل جلاله أن ندعهم لما تظاهروا به ونجري الأحكام الدنيوية حسب ظواهرهم، ففيم التحقيق عن بواطن أعذارهم وحقيقة أقوالهم، وفيم معاقبتهم في الدنيا على ما قد يصدر عنهم من كذب ونحن إنما نعطيهم الظاهر فقط من المعاملة والأحكام؛ كما يبدون لنا هم أيضًا الظاهر فقط من أحوالهم وعقائدهم, قال ابن القيم: وهكذا يفعل الرب –سبحانه- بعباده في عقوبات جرائمهم، فيؤدب عبده المؤمن الذي يحبه وهو كريم عنده، بأدنى زلة وهفوة, فلا يزال مستيقظا حذرًا، وأما من سقط من عين الله وهان عليه فإنه يخلي بينه وبين معاصيه، وكلما أحدث ذنبا أحدث له نعمة. 1

 

13- بعض دروس وعبر غزوة تبوك:

 

        غزوة تبوك حبلى بالعبر والدروس، بل لم تخل من إشارات للمسلمون اليوم أحوج ما يكونون لتمثلها والاسترشاد بها، وهذه من أهداف مدرسة السيرة النبوية، ومن هذه الدروس والعظات:

         فصلت الغزوة في أحوال المسلمين ونفسياتهم، إذ كانت الغزوة محكّا وتمحيصا لحقيقة الإيمان، فعددت أصنافا من المسلمين، وبينت مآلهم ، وميزت بين المؤمنين الصادقين دون أن تغفل من حبسهم عذر ، الذين قال في حقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أشرف على المدينة قافلا من تبوك :"إنّ بالمدينة رجالا ما سرتم مسيراً، ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم، حبسهم العذر" قالوا: يا رسول الله، وهم بالمدينة؟ قال: وهم بالمدينة."؛ "وكشفت الغطاء عن فتن المنافقين، باعتبار خطرهم الداهم على الإسلام والمسلمين، وفضحت أساليب نفاقهم، وتخذيلهم للمؤمنين، حتى لم تدع لهم سترا إلا هتكته.1

        إضافة إلى ذلك فقد مارس رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الغزوة الشورى وقبـِل مشورة الصدِّيق والفاروق في بعض النوازل التي حدثت في الغزوة ومن هذه النوازل:

أ- قبول مشورة أبي بكر الصديق في الدعاء حين تعرض الجيش لعطش شديد:

قال عمر بن الخطاب: خرجنا إلى تبوك في قيظ شديد فنزلنا منزلا وأصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع, حتى إن الرجل لينحر بعيره فيعتصر فرثه فيشربه، ثم يجعل ما بقى على كبده، فقال أبو بكر الصديق: يا رسول الله, إنّ الله قد عودك في الدعاء خيرا، فادع الله، قال: «أتحب ذلك؟» قال: نعم، فرفع يديه فلم يردهما حتى حالت السماء فأظلت ثم سكبت فملأوا ما معهم، ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر

ب- قبول مشورة عمر بن الخطاب في ترك نحر الإبل حين أصابت الجيش مجاعة:فقد أصابت جيش العسرة مجاعة أثناء سيرهم إلى تبوك, فاستأذنوا النبي صلى الله عليه وسلم في نحر إبلهم حتى يسدوا جوعتهم، فلما أذن لهم النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك جاءه عمر رضي الله عنه  فأبدى مشورته في هذه المسألة, وهي أن الجند إن فعلوا ذلك نفدت رواحلهم وهم أحوج ما يكونون إليها في هذا الطريق الطويل، ثم ذكر رضي الله عنه حلاّ لهذه المعضلة وهو: جمع أزواد القوم ثم الدعاء لهم بالبركة فيها، فعمل صلى الله عليه وسلم بهذه المشورة حتى صدر القوم عن بقية من هذا الطعام بعد أن ملأوا أوعيتهم منه وأكلوا حتى شبعوا.

جـ- قبول مشورة عمر رضي الله عنه في ترك اجتياز حدود الشام والعودة إلى المدينة: فعندما وصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى منطقة تبوك وجد أن الروم فروا خوفًا من جيش المسلمين، فاستشار أصحابه في اجتياز حدود الشام, فأشار عليه عمر بن الخطاب رضي الله  بأن يرجع بالجيش إلى المدينة وعلل رأيه بقوله: إنّ للروم جموعا كثيرة وليس بها أحد من أهل الإسلام، ولقد كانت مشورة مباركة؛ فإنّ القتال داخل بلاد الرومان يعد أمرًا صعبًا، اذ أنه يتطلب تكتيكًا خاصًا لأن الحرب في الصحراء تختلف في طبيعتها عن الحرب في المدن, وبالإضافة إلى أنّ عدد الرومان في الشام يقرب من مائتين وخمسين ألفـًا، ولا شك في أنّ تجمع هذا العدد الكبير في تحصنه داخل المدن يعرض جيش المسلمين للخطر.

وبالتالي فإنّ ممارسة الشورى في حياة الأمة في كل شؤونها السياسية والعسكرية والاجتماعية...، تعتبر منهج تربوي كريم سار عليه الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم في حياته.

 

          وقد إستفاد المسلمون الكثير من هذه الغزوة، فقد تم  تدريبهم تدريبا عنيفا، فقطع بهم صلى الله عليه وسلم مسافة طويلة في ظروف جوية صعبة، حيث كانت حرارة الصيف اللاهب, بالإضافة إلى الظروف المعيشية التي كانوا يعانون منها، فقد كانت هناك قلة في الماء حتى كادوا يهلكون من شدة العطش، وأيضا كانت هناك قلة في الزاد والظهر ولا شك في أن هذه الأمور تعد تدريبا عنيفا لا يتحمله إلا الأقوياء من الرجال.

......يتبع

 
ــد الفصل: 
 
Publicité
 
 
Aujourd'hui sont déjà 1 visiteurs (4 hits) Ici!
=> Veux-tu aussi créer une site gratuit ? Alors clique ici ! <=